حسن حسني عبد الوهاب

84

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

المرض الذي مات منه - ولم يكن له وارث - قال له أصحابه : يخشى أن يأخذ السلطان كتبك ويمنع الناس من الانتفاع بها ، فأوقفها على المسلمين ووجهها أثلاثا في ثلاثة مواضع ؛ ففعل ذلك فلما كان من الغد قال لأصحابه : لم أنم البارحة من فقد كتبي ، فردّوا الثلثين وتركوا الثلث الذي كان عند تلميذه أبي محمد بن أبي زيد ، فلما وصل الثلثان إليه مات فاستلم السلطان ( المعز لدين اللّه الفاطمي ) ذلك ورفعه إلى المنصورية وسلم الثلث " 1 " . أقول : وما زالت بعض الأجزاء من ذلك الثلث الموقوف موجودا في مكتبة جامع القيروان وعلى غالبها خط ابن أبي زيد وغيره . ومن أكبر المكتبات القيروانية وأجلّها في ذلك العصر مكتبة بني الجزّار الأطباء ولا سيما خزانة الأخير منهم : أبي جعفر أحمد ، فقد اشتملت على مجموعة ذات قيمة علمية عالية لاهتمام صاحبها بسائر العلوم الرياضية والطبية والفلسفية والتاريخية وما إليها فما من فنّ من هذه الفنون إلا ولأحمد بن الجزار فيه تأليف أو أكثر كما هو مبيّن في ترجمته خصوصا وقد كان لهذا الطبيب ثروة لا يستهان بها . وقال ابن جلجل الأندلسي " 2 " : " ولما مات وجد له أربعة وعشرون ألف دينار ، وخمسة وعشرون قنطارا من كتب طبية وغيرها " . وبمراجعة المصادر التي ينقل عنها ابن الجزار في تآليفه يمكننا أن نعرف البعض مما كانت تحويه خزانته وهي مصنفات جليلة ومتنوعة ، وكانت وفاة أحمد ابن الجزّار بالتحقيق سنة 369 ه . ( 980 م ) وإني لأعجب من رواة الأخبار المتقدمين ، كيف كانوا يقدّرون الكتب المخلّفة بالوزن لا بعدد الأجزاء ، وربما يفسّر ذلك بأنّ المدوّنات كانت مكتوبة على الرقّ وهو ثقيل الوزن فقدروها بأثقالها . ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي الذي وفد

--> ( 1 ) المدارك ج 2 ص 164 [ 5 : 331 ] . ( 2 ) عيون الأنباء ج 2 ص 38 [ وطبقات الأطباء لابن جلجل ص 90 . وعنها قومنا النّص وأثبتناه حرفيا ] .